التخطي إلى المحتوى
قمة المناخ بمصر.. سناء وعلاء في مواجهة الديناصورات | آراء
لفت نظري أن حملة إطلاق سراح المعتقلين المصريين التي اندلعت بمناسبة قمة التغير المناخي التي لا تزال منعقدة في مدينة شرم الشيخ حتى 18 من الشهر الجاري، لم تستطع الديناصورات -وأقصد بها الدولة المصرية والإخوان والمؤسسات السياسية- أن يتعاملوا معها بما يكافئها؛ فالإخوان برغم ما يمتلكون من تنظيم ضخم وإمكانات هائلة لم يستطيعوا أن يعطوا لقضية المعتقلين هذا الزخم الذي اكتسبته في قمة المناخ رغم أنهم وأنصارهم يمتلكون العدد الأكبر منهم.

على الوجه الآخر، فإن الدولة المصرية برغم ما لديها من مؤسسات وقدرات هائلة بدت مرتبكة في التعامل مع مشهد تحول من أن يعطي قوة دفع لشرعية النظام خارجيا وداخليا -وهذا ما تطلعوا إليه- ليصبح مطلوبا منه الدفاع عن هذه الشرعية في مواجهة “حفنة” من الناشطين.

دفع هذا وزير الخارجية المصري للتساؤل آسفا ومستنكرا: هل نحن بصدد مؤتمر للتغير المناخي أم لحقوق الانسان؟

قد يبحث البعض عن الأسباب الكامنة وراء هذا المشهد، ولكنني في هذا المقال أشير إلى ملمح هام اعتنيت به في عدد من المقالات -وهو بالمناسبة جزء من سمة عالمية برزت بقوة في الانتفاضات العربية بموجاتها المتعاقبة وما أعقبها من حراك عالمي- وهو عمليات إعادة تعريف السياسة التي تعني أننا بصدد أشكال وقواعد وممارسات وخطابات جديدة.

سمات خمس للسياسة الجديدة

أولا: من الأيديولوجيا إلى القضايا المتقاطعة المتداخلة

بات العالم منذ نهاية الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن العشرين يتفاعل في مرحلة ما بعد الأيديولوجيا وفق عدد من القضايا والمفاهيم من قبيل حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي والفساد والتغير المناخي والعنصرية وغيرها. هذه القضايا لها مرجعيتها الخاصة بها من قيم وتقاليد مثل مواثيق حقوق الإنسان، واتفاقيات مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة في مسائل النوع الاجتماعي، واتفاقية باريس في التغير المناخي.. إلخ.

هكذا أصبحنا بإزاء مرجعيات منفصلة لا يجمعها منطق كلي أو نظرة شاملة كما هو الحال في الأيديولوجيات التي تملك نظرة شاملة تفسر بها سر الوجود الانساني ومآلاته. نشأ عن هذه المرجعيات وصدر عنها فواعل سياسية متعددة على المستويات جميعا، الدولي والوطني والمحلي، وارتبط بهذه القضايا أصحاب المصلحة، ويقصد بهم المهتمين بالقضية والمتأثرين بها والفاعلين فيها من حكومات ومجتمع مدني وحركات اجتماعية وأحزاب ومجتمع محلي ونقابات وإعلام وكذا القطاع الخاص ومنظمات دولية وجهات التمويل الدولية والمحلية.

استقر هذا المدخل في التفاعل وكانت له تأثيرات مباشرة على السياسة والسياسات؛ فأصحاب المصلحة يضغطون لصياغة اتفاقيات دولية وإصدار تشريعات وطنية، ويعترضون على سياسات ومخصصات مالية، ويراقبون تنفيذها وأولويات الإنفاق، ويقيمون تأثير ذلك كله على فئات اجتماعية بعينها، وينشئون تشكيلات تنظيمية للتعبير عن الفئات المهمشة أو المضارة من هذا كله، وقد تتحول حركاتهم إلى أحزاب -مثل حزب الخضر- فيشاركون في تدبير السياسة العامة في الدولة.

لكن ما شهدناه في هذه الحملة نقلة جديدة أظن -والله أعلم- أنها سيكون لها تداعيات بالغة الأهمية على رسم ملامح السياسة في المستقبل؛ وهو ما يطلق عليه التقاطعية أو التداخلية intersectionality بين القضايا والمجالات، مما يعني البحث عن السرديات المشتركة والغوص في الجذور العميقة التي تربط القضايا التي تبدو متباينة مع بعضها البعض، ولكن أحب أن أؤكد أنه ليس من مدخل أيديولوجي كلي كما جرى من قبل، ولكن من مداخل تفسيرية وتحليلية ومفاهيم محددة، وقد يأخذ أشكالا تنظيمية؛ وهو بالمناسبة توجه قديم برز أكثر في الحركات النسوية.

استطاعت الحركة النسوية أن تربط بين التمييز وعدم المساواة التي تتعرض له المرأة وبين مفاهيم أخرى مثل العرق والطبقة والأمة والفئات المهمشة.. إلخ، باعتبار أنها لا تعمل كظواهر منفصلة ولكن كظواهر متبادلة يغذي كل منها الآخر، وهنا يجري الانتباه والبحث عن علاقات القوة وعدم المساواة الاجتماعية الكامنة وراء هذه الظواهر جميعا.

هناك تفاصيل كثيرة حول مسألة التداخلية التي باتت سمة لصيقة للتفاعل السياسي الآن، وهو ما تم بجهد مشترك استمر لمدة عام قامت به مؤسسات حقوقية دولية وائتلاف ضم عددا من المنظمات الحقوقية المصرية داخل مصر وخارجها، كان المطلوب خلق وإيجاد سردية مشتركة بين العمل الحقوقي وبين العمل البيئي، وهي مسألة كانت صعبة واحتاجت كثيرا من العمل والجهد والفاعليات.

ورغم ما يبدو من تقاطع وتداخل بين الخطاب البيئي والحقوقي ليس مجال التفصيل فيه الآن، فإن القائمين على الحملة رأوا أن المدخل الأسهل والأكثر عملية وقدرة على الإنجاز السريع هو الربط بين فاعلية العمل البيئي وبين استقلال وحرية المجتمع المدني، وهو ما لا يتوفر في مصر الآن -وفق تقرير هيومن رايتس واتش– الذي صدر كجزء من هذا التنسيق.

هكذا سعى التحالف المصري لحقوق الإنسان الذي أُنشئ من 11 منظمة حقوقية مصرية بالإضافة إلى مؤسستين دوليتين -العفو وهيومن رايتس وتش- إلى بناء سرد متماسك يُضخّم ضرورة وجود فضاء مدني مفتوح وحر لتحقيق العدالة المناخية، وفق تعبيرهم.

وبهذا نجح التحالف في جذب بعض الشبكات البيئية الكبرى وكثير من الناشطين من خلال بناء سردية مشتركة. رسم الائتلاف لنفسه هدفا تمثل في الضغط من أجل الدفاع عن مطالب الفضاء المدني الرئيسية، وهي الإفراج عن الأفراد المحتجزين تعسفيا لممارستهم حقوقهم في حرية تكوين الجمعيات والتجمع والتعبير، وفتح الفضاء المدني في مصر.

هنا يحسن أن نشير إلى أن التحالفات في هذه النوعية من العمل السياسي مؤقتة، والائتلاف يجري على قضايا محددة وهي هنا فتح الفضاء المدني في مصر، والمطالبة بالإفراج عن الأفراد المحتجزين تعسفيا، وبالطبع هي عابرة للأيديولوجيا، حيث إن حركة حقوق الإنسان المصرية تضم أشخاصا ومنظمات من خلفيات سياسية وأيديولوجية متعددة، وأخيرا؛ تختفي منها البنى الهرمية أو تتضاءل فاعليتها مثل الدولة والإخوان والأحزاب لصالح الشبكات.

ثانيا: تشظي الاستقطابات

سيطر على المجال العام لعقود أربعة الاستقطاب الإسلامي العلماني، ونفخت فيه من روحها قوي ومؤسسات ورموز عديدة، ولكن ما نلحظه الآن وبرز بقوة في مؤتمر المناخ هو أن الاستقطاب لم يعد يتأسس على انقسام إسلامي علماني -وإن حاول البعض من خلال استدعاء الإخوان تأجيج ذلك- لكن الاستقطاب دار حول من يتبنى سردية الدولة ومن يعارضها؛ وهنا توزعت الرموز والشخصيات والقوى والمؤسسات بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو الأيديولوجي أو خلفياتهم وتاريخهم.

يمكن أن نسوق عديد الأمثلة على ذلك، لكننا نكتفي بما دار من استقطاب حول موقف السيدة نهاد أبو القمصان الناشطة الحقوقية ذات الخلفية اليسارية والمنحازة لقضايا المرأة، فقد كان انحيازها لموقف الدولة ومحاولتها إضفاء الشرعية على الانتهاكات التي يتعرض لها علاء عبد الفتاح سببا لهجوم شديد ممن يقفون في الضفة الأخرى من النهر، بغض النظر عن انتماءاتهم.

ثالثا: ذوبان الحدود الفاصلة

ذوبان الحدود الفاصلة بين الداخلي الوطني وبين الخارجي غير الوطني وبين المحلي دون الوطني، وهو ما يعني التداخل بين الدولي والوطني والمحلي.

نحن هنا بصدد تداخل بين المستويات جميعا لأسباب متعددة:

  • تعدد في الفواعل؛ فقد تبنى الحملة كما قدمت ائتلاف من منظمات حقوقية مصرية تتوزع -لاعتبارات سياسية وأمنية- بين الداخل والخارج.
  • تعاون هذا الائتلاف مع منظمتين دوليتين كبريين تعملان في هذا المجال، وهما منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس وتش.
  • تشبيك بين فواعل دولية وإقليمية ووطنية ومحلية. نجحت العريضة التي أُطلقت للتوقيع في الحصول على مساندة 1400 منظمة وشخصية اعتبارية.
  • صيغة المؤتمرات الأممية تقوم على تجميع الحكومات والمجتمع المدني -الدولي والوطني والمحلي- وكذا رجال الأعمال والخبراء والقطاع الخاص والإعلام والناشطين في صعيد واحد ليتفاعلوا فيما بينهم.
  • الحوكمة في ظل مفاهيم السيادة الناعمة في مواجهة السيادة المطلقة للدولة؛ لم تعد حوكمة القضايا التي أشرنا إليها في البند أولا تضطلع بها الدولة وحكوماتها وحدها، بل باتت هذه الحوكمة تتداخل فيها أطراف عديدة دولية ووطنية ومحلية، ومن هنا يبرز أحد ملامح تناقضات خطاب الدولة المصرية في هذا المجال؛ ففي الوقت الذي تستضيف فيه المؤتمر الأممي بصيغته التي أشرنا إليها وتحدثنا عن مفاهيم السيادة الوطنية والاستقواء بالخارج، يُصدر نادي القضاة بيان يتحدث عن استقلال القضاء ونزاهته، يجري هذا في الوقت الذي باتت فيه الحوكمة في هذه المجالات جميعا تتم في الداخل والخارج، وبالطبع لن أحدثك عن طبيعة الاقتصاد المصري الذي يقوم منذ السبعينيات من القرن الماضي وبشكل متصاعد على الاندماج في السوق العالمية.

رابعا: السوشال ميديا كمعيارية جديدة

تفاعلت الحملة على السوشال ميديا بقوة وتداخلت مع وقائع ما جرى على أرض المؤتمر من فاعليات، وعليها لا يجري محاولة استعادة الجدل العام فقط الذي صادرته السلطة؛ ولكن يجري أيضا خلق معايير جديدة يتم من خلالها تقييم المواقف والسلوكيات والسياسات والإجراءات، وتقديم سرديات أخرى تتحدى الروايات السائدة والمهيمنة، ويجري فيها القضاء على المركز والمرجعيات والرموز حيث لا قداسة لأحد، وإنما القناعة والقبول والنفع والعملية.

تأمل كيف تم جر مؤسسات الدولة المختلفة لأن تقدم روايات مضادة لرواية أسرة علاء عبد الفتاح، وتتخذ إجراءات متعددة في محاولة لمعالجة تداعيات الموقف، وتتبنى خطابا أقل ما يوصف بأنه رد فعل لخطاب استند إلى المعلومات والحقائق.

زادت السوشيال ميديا من المنخرطين بشكل نقدي في السياسات المتبعة والإجراءات والقرارات المتخذة، وقد أبرزت تناقضات السلوك والموقف -كما جرى مع السيدة أبو القمصان- وأدت إلى تعبئة واسعة، ولكنها في النهاية حافظت على اهتمام قطاع معتبر من المصريين والمصريات بالقضية ومتابعتها ومراقبتها وتقييمها بشكل دائم، في وقت تراجعت فيه مساحات الجدل العام وتم القضاء عليها، أو هكذا تصور البعض.

وأخيرا، هناك نقطة جديرة بالنقاش وهي الغياب شبه الكامل للأحزاب المصرية -معارضين أو موالين- عن المشهد؛ ناهيك عن المؤسسات السياسية من برلمان وغيره، وهي حالة لا تشير فقط إلى تآكلها وضعف فاعليتها؛ ولكنها تبرز بعضا من الفواعل السياسية الجديدة، والعمليات السياسية المختلفة التي لم تتعود عليها هذه المؤسسات.

خامسا: تراكم مستمر

قدر لي المشاركة في مؤتمر المعلوماتية الذي عقدته الأمم المتحدة بتونس 2005، وتذكرت مع مؤتمر المناخ ما جرى فيه من تجاوزات قام بها نظام بن على بحق المشاركين وتضييق على الفاعليات وإضراب الجوع الذي قامت به بعض الشخصيات التونسية بمناسبة المؤتمر.

استدعت ذاكرتي كل هذه الوقائع وغيرها، وقارنت بينها وبين ما جرى بعد ذلك في ثورة الياسمين 2010/2011، كما كانت فرصة لتقييم ما تحقق للحملة، وهنا يحسن أن نشير إلى أننا بصدد ممارسة تراكمية تنتج نقلة نوعية ليس في اتجاه خطي، ولكنها قد تسير في تعرجات متعددة، وقد تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، ولكن ملامحها تتحدد بكيف يفكر القائمين على الحملة في مستقبلها.

إن ما يجب أن نتابعه ليس فقط إطلاق سراح المعتقلين، وهو هدف الحملة المباشر، ولكن شيوع القيم التي يتحرك بها هذا النموذج، والممارسات التي يتأسس عليها، وما يجري بينها من تناغم أو تناسق؛ فما نشهده هو مبادرات كثيرة تعبر عن طريقة تفكير مختلفة وتخط لنفسها قيما بديلة للسرديات الشائعة والمهيمنة وممارسات مختلفة عما اعتدنا عليه في السياسة.

في خبرة الانتفاضات في المنطقة جرى دمج قضايا النساء ومطالبهن في المطالب العامة للحراك وليس بمعزل عنها؛ وتقدم لنا الخبرة الإيرانية الجارية هذه الأيام ملمحا جديدا للعلاقة بين قضايا ومطالب التغيير، فمن خلال الانتهاكات التي تتعرض لها النساء يمكن استدعاء قضايا التغيير الأخرى؛ مثل التفاوتات في الفرص والدخول والحريات الفردية ووحشية الشرطة والأزمة الاقتصادية وبطالة الشباب والشابات.

عانت حملة قمة المناخ من عدم الاعتناء بجاد سردية يمكن أن تضمن بها تفاعلا شعبيا أوسع، وهو ما يخرج عن نطاق عملها المباشر، لأن هذا في النهاية هو جوهر عمل التنظيمات السياسية من أحزاب وكيانات ورموز وشخصيات عامة، ورغم توفر مقومات عديدة لخلق هذه السردية التي يمكن أن تتأسس على شيوع الانتهاكات واتساع العنف المادي والرمزي الموجه من السلطة القائمة لفئات اجتماعية كثيرة؛ فإن ضعف الكيانات والرموز السياسية قد حد من قدرة هذه الحملة على التفاعل الجماهيري الأوسع معها.


Source link

كما تَجْدَرُ الأشاراة بأن الخبر الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على المصدر اعلاه وقد قام فريق التحرير في كل المصادر بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر من مصدره الاساسي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *